حكم سداد ديون المحتاجين من الزكاة دون إذنهم

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

قال الله سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60]

ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب تمليك الزكاة للأصناف الثمانية الذين هم مصارف الزكاة، ومنهم الغارم: الذي عليه دين، فلا بد من تسليم الزكاة له أو صرفها بإذنه إلى الدائن.
وعباراتهم في ذلك:

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

قال أصحابنا: يجوز صرف سهم الغارمين إلى من عليه الدين بإذن صاحب الدين وبغير إذنه، ولا يجوز صرفه إلى صاحب الدين إلا بإذن من عليه الدين، فلو صرف بغير إذنه.. لم يجزئ الدافع عن زكاته، ولكن يسقط من الدين بقدر المصروف.
قال أصحابنا: والأولى أن يدفع إلى صاحب الدين بإذن الغريم؛ ليتحقق وقوعه عن جهة الدين.
قال أصحابنا: إلا إذا كان لا يفي بالدين وأراد المدين أن يتصرف فيه بالتجارة والتنمية ليبلغ قدر الدين.

ونقل الكمال ابن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى:

لو بنى مسجداً بنية الزكاة أو حج أو أعتق أو قضى دين حي أو ميت بغير إذن الحي لا يجوز. ولو قضى دين الفقير بزكاة ماله إن كان بأمره يجوز، وإن كان بغير أمره لا يجوز وسقط الدين.

قال الإمام الدردير رحمه الله تعالى:

ومدين يعطى منها ما يوفي به دينه إن كان حراً مسلماً غير هاشمي.

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:

لو دفع من الزكاة عن الغارم في دينه بغير أمره.. لم يجزه من حيث لم يملك.

لكن خالف السادة الحنابلة الجمهور فقد ذهبوا إلى جواز تسديد الديون عن الغارم المستحق للزكاة

قال الإمام المرداوي رحمه الله تعالى:

لو دفع المالك إلى الغريم بلا إذن الفقير، فالصحيح من المذهب: أنه يصح.

قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى:

وإن دفع المالك زكاة إلى الغريم عن دين الغارم بلا إذن الفقير الغارم.. صح وبرئ؛ لأنه دفع الزكاة في قضاء دين المدين، أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه.

وفي هذا القول تحقيق لكثير من مصالح الفقراء، بل وجبر خاطرهم في وفاء ديونهم دون إحراجهم، مع ثقة المزكي بوصول الزكاة لمكانها المناسب.
ومع ذلك فإننا نقول أن الأحوط خروجاً من الخلاف أن يكون بإذن الفقير و من عليه الدين، وقد يتحقق هذا الإذن بشكل مباشر أو بواسطة أو بطريقة ما مناسبة لمشاعر المحتاجين.

فقه الآداب:

هذا المسألة تفتح باباً من الخير لمن أراد أن يطرقه، وهو سداد ديون الفقراء في المحلات التي يستدين منها المحتاجون وأهل الفاقة، فيدخل السرور على قلوبهم ويجبر خواطرهم.
عن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» متفق عليه.
وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك.. سره الله عز وجل يوم القيامة».

وقال العلامة ملا علي القاري رحمه الله تعالى:

إدخال السرور في قلب المؤمن أفضل من عبادة الثقلين

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:

كان في صالحي السلف من له دفتران للحساب أحدهما ترجمته مجهولة، فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء؛ وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة فيشتهيه، فيقول: أحتاج إلى خمسة أرطال مثلاً من هذا وليس معي
ثمنه، فكان يقول: خذه واقض ثمنه عند الميسرة، ولم يكن يعد هذا من الخيار بل عد من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلاً ولا يجعله ديناً لكن يقول: خذ ما تريد؛ فإن يسر لك.. فاقض، وإلا فأنت في حلٍّ منه وسعة؛ فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست، والقائم به محيي لهذه السُّنة، وبالجملة التجارة مِحك الرجال وبها يمتحن دِين الرجل وورعه.

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.