حكم استفتاء الذكاء الاصطناعي

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إن التطور المعلوماتي والوسائل الحديثة التي وصلنا إليها في هذا العصر يسرت سبل توفر المعلومة بسرعة هائلة، وهذا قدم للناس بدائل في شتى المجالات، إلا أن العلم الشرعي وما يتعلق به من أمور الدين يبقى في مكانة عظيمة الخطر، كما أن صناعة الفتوى خاصة تحتاج شروطاً في المفتي لا يمكن توفرها في الذكاء الاصطناعي، فمن ذلك: الفهم العميق للمسألة وظروف المستفتي، واختلاف الحكم بتغير المكان والزمان والأشخاص والأعراف، وتحديد مقدار الحاجة أو الضرورة التي تتعلق بالسائل، ومعرفة القيود الواجبة في نصوص الفقهاء التي تتعلق بالحكم.. وغيرها من الشروط التي ينبغي العناية بها.

  • ولذلك أمر الله عزوجل كل من أراد أن يلتمس العلم أو يعرف الحكم الشرعي لواقعة ما بالرجوع إلى العلماء الثقات فقال:

{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43]

وقال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى: (العلماء نواب عن رسول الله ﷺ).

وقد جاء عن رسول الله ﷺ: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين». [أخرجه الإمام البيهقي في «السنن الكبرى» (20911)]

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (وهذا إخبار منه ﷺ بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كلِّ عصرٍ خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كلِّ عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة، ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئاً من العلم؛ فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئاً منه، والله أعلم).

– وقال العلماء في شروط المفتي:

شرط المفتي كونه مكلفاً مسلماً ثقةً مأموناً متنزهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط متيقظاً.

وقد قال العلماء في ذم من يأخذ علمه من الصحف وترك أهل العلم:

(ولا يأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته وسيادته؛ فقد قال ابن سيرين ومالك وخلائق من السلف: (هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم).
ولا يكفي في أهليته التعليم أن يكون كثير العلم، بل ينبغي مع كثيرة علمه بذلك الفن كونه له معرفة في الجملة بغيره من الفنون الشرعية؛ فإنها مرتبطة، ويكون له دربة ودين وخلق جميل وذهن صحيح واطلاع تام.
قالوا: ولا تأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو شيخ حاذق؛ فمن لم يأخذه إلا من الكتب.. يقع في التصحيف ويكثر منه الغلط والتحريف).

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: “من تفقه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام”.

وقد قيل: “من كان شيخه كتابه.. فخطؤه أكثر من صوابه”.

وقال بعضهم: “من أعظم البلية: تشييخ الصحيفة”.

فهذا كلام العلماء فيمن يأخذ علمها من بطون الكتب، فكيف باعتماد مصادر غير موثوقة تعتمد أنظمة بعيدة عن الرقابة الإسلامية، بل هي تعتمد خوارزم الإدخالات المتعددة مهما كانت تلك المعلومات وأياً كان مصدرها.

فقه الآداب:

  • ينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه كما يتحرى لأمور الدنيا، فإننا نجد كثير من الناس إذا أصابه مرض لا يعول على الذكاء الاصطناعي دون أن يخالطه الخوف من الخطأ في الأعراض والتشخيص والدواء المناسب له، بل يذهب إلى طبيب مشهور أو عدة أطباء ويكثر السؤال عن تفاصيل مرضه، ثم تجده إذا عرضت له مسألة من أمور دينه يتساهل في الأخذ عن أي مصدر دون أن يحدث ذلك عنده أدنى قلق أو احتياط لآخرته، والسعيد من كان دينه أعز من دنياه.
  •  الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: “فيا عجباً؛ لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفاً على قيراط … ولا يحتاط خوفاً من فوت الفردوس الأعلى ونعيمه، ما هذه إلا مصيبة عظيمة لمن تفكر فيها”.

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.