ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن من أخر قضاء رمضان بدون عذر حتى دخل رمضان الذي يليه.. استحق الإثم، ووجبت عليه الفدية مع وجوب القضاء، ولو أخر القضاء مع إمكانه فمات.. أُخرج من تركته، ومصرف الفدية الفقراء والمساكين.
والفدية هي إطعام عن كل يوم مسكيناً، وتقدر:
- عند السادة المالكية والشافعية عن كل يوم مد من الطعام (٧٥٠ غ) تقريباً.
- وعند الحنابلة هي مد من برٍّ (قمح) (٧٥٠ غ)، ونصف صاع من غيره (١٥٠٠ غ) تقريباً.
ودليلهم: أن هذا ماورد عن جمع من الصحابة الكرام، ولم يُعرف لهم مخالف.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: (ولنا ما روي عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة أنهم قالوا: أطعم عن كل يوم مسكيناً، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافهم، وروي مسنداً من طريق ضعيف، ولأن تأخير صوم رمضان عن وقته إذا لم يوجب القضاء.. أوجب الفدية؛ كالشيخ الهرم).
قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: (ومن أخر قضاء رمضان مع إمكانه ـ بأن خلا عن السفر والمرض ـ حتى دخل رمضان آخر.. لزمه – مع القضاء – لكل يوم مدٌّ؛ لأن ستة من الصحابة رضي الله عنهم أفتوا بذلك، ولا يعرف لهم مخالف).
قال العلامة الدردير المالكي رحمه الله تعالى: (ووجب إطعام قدر مدِّه عليه الصلاة والسلام لمفرِّطٍ؛ أي: على مفرط في قضاء رمضان لمثله؛ أي: إلى أن دخل عليه رمضان الثاني).
قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (فإن أخره؛ أي: قضاء رمضان إلى رمضان آخر، أو أخره إلى رمضانات.. فعليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس فيما إذا أخره لرمضان آخر).
أما إن كان تأخيره القضاء وقع لعذر؛ كمرض أو سفر أو شغل إلى ما بعد رمضان القادم.. فلا يجب عليه الفدية، وإنما يجب القضاء فقط.
قال الإمام الشربيني رحمه الله تعالى: (فإن لم يمكنه القضاء لاستمرار عذره كأن استمر مسافراً أو مريضاً، أو المرأة حاملاً أو مرضعاً حتى دخل رمضان.. فلا فدية عليه بهذا التأخير؛ لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى).
والأصح عند السادة الشافعية أن الفدية تتكرر بتكرر السنين؛ لأن الحقوق المالية لا تتداخل.
فقه الآداب:
إذا لزم المكلف قضاء رمضان أو بعضه؛ فإن كان فواته بعذر كحيض ونفاس ومرض وإغماء وسفر، ومن نسي النية، أو أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً، أو المرضع والحامل… فيستحب تعجيله.
قال الله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨].
وقال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران:١٣٣].
وإن فاته صوم رمضان بغير عذر.. فيجب عليه المبادرة للتوبة والقضاء.
عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تُنْظَرُونَ إِلاَّ إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِنًى مُطْغٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أَوِ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ». رواه الترمذي (٢٣٠٦).
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين:
- أحدهما: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً، فلا يقبل المحو.
- الثاني: أن يعاجله المرض أو الموت، فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو.
ولذلك ورد في الخبر: «إن أكثر صياح أهل النار من التسويف»، فما هلك من هلك إلا بالتسويف).
