حكم نظر ومس الطبيب أثناء الفحص الطبي

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الأصل في النظر إلى العورات الحرمة؛ عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة». رواه مسلم (٣٣٨).

فهذا من نفس الجنس، ومع اختلاف الجنس أشد حرمةً بالإجماع، وقد قرر الفقهاء قاعدة: (كل ما حرم نظره.. حرم مسُّه).

وفي حال التداوي والعلاج فقد يصبح الأمر مختلفاً للحاجة وذلك ضمن ضوابط محددة:

  • أن يكون الطبيب الذي يتولى العلاج من نفس الجنس؛ الرجل للرجل والمرأة والمرأة؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف، وهذا قد أصبح في عصرنا متوفراً بشكل كبير في المراكز الطبية والمستشفيات وكثرة الأطباء من كلا الجنسين.
  • في حال دعت الحاجة أو الضرورة إلى تولي طبيب من جنس مختلف فلا بد من شرطين: (١) أن تقدر الحاجة بقدرها دون زيادة: فلو استطاع الطبيب العلاج من خلال الوصف.. فيكتفي بذلك، وإذا استطاع أن يفحص من خلال المس بحائل (قفازين) دون النظر.. فلا يجوز أكثر من ذلك، وكذا لو كان يمكن أن تنظر الممرضة وتصف له الحالة.. فلا يجوز النظر، وإذا دعت الحاجة للنظر.. فينظر إلى موضع العلة فقط مع ستر الباقي، وفي الوجه واليدين تكفي الحاجة للإباحة، وفي غيرها ينبغي أن تتأكد الحاجة، وفي السوأتين أن تشتد الحاجة، هكذا.. فما جاز لحاجة يتقدر بقدرها، (٢) أن يكون مع المرأة زوج أو محرم أو امرأة أخرى مرافقة أو ممرضة.

نصوص الفقهاء في ذلك:

قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: (ومحل التحريم ما إذا لم تدع لذلك ضرورة، فإن كان ضرورة؛ كتطبيب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها مما لا يوجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة).

قال الإمام الحصكفي رحمه الله تعالى: (ومداواتها ينظر الطبيب إلى موضع مرضها بقدر الضرورة؛ إذ الضرورات تتقدر بقدرها، وكذا نظر قابلة وختان، وينبغي أن يعلم امرأة تداويها لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف).

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: (وقال في «الجوهرة»: إذا كان المرض في سائر بدنها غير الفرج.. يجوز النظر إليه عند الدواء؛ لأنه موضع ضرورة، وإن كان في موضع الفرج؛ فينبغي أن يعلم امرأة تداويها، فإن لم توجد وخافوا عليها أن تهلك أو يصيبها وجع لا تحتمله.. يستروا منها كل شيء إلا موضع العلة، ثم يداويها الرجل ويغض بصره ما استطاع إلا عن موضع الجرح اهـ فتأمل والظاهر أن «ينبغي» هنا للوجوب).

قال الإمام الدردير رحمه الله تعالى: (ويجب ستر العورة عمن يحرم النظر إليها من غير الزوجة والأمة إلا لضرورة.. فلا يحرم بل قد يجب، وإذا كشف للضرورة فبقدرها؛ كالطبيب يبقر له الثوب على قدر موضع العلة في نحو الفرج إن تعين النظر، وإلا.. فيكتفي بوصف النساء؛ إذ نظرهم للفرج أخف من الرجل).

قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: (وقد يحرم النظر دون المس؛ كأن أمكن طبيباً معرفة العلة بالمس فقط).

وقال: (ويباحان؛ أي النظر والمس لفصد وحجامة وعلاج؛ للحاجة، لكن بحضرة مانع خلوة كمحرم، أو زوج، أو امرأة ثقة؛ لحل خلوة رجل بامرأتين ثقتين يحتشمهما…
وبشرط عدم امرأة تحسن ذلك كعكسه، وأن لا يكون غير أمين مع وجود أمين، ولا ذمياً مع وجود مسلم، أو ذمية مع وجود مسلمة…
والذي يتجه تقديم نحو محرم مطلقاً على كافرة؛ لنظره ما لا تنظر هي، وممسوح على مراهق، وأمهر ولو من غير الجنس، والدَّيِّن على غيره، ووجود من لا يرضى إلا بأكثر من أجرة المثل كالعدم فيما يظهر بل لو وجد كافر يرضى بدونها ومسلم لا يرضى إلا بها احتمل أن المسلم كالعدم أيضاً.
ويعتبر في الوجه والكف أدنى حاجة، وفيما عداهما مبيح تيمم، إلا الفرج وقريبه.. فيعتبر زيادة على ذلك، وهي أن تشتد الضرورة حتى لا يعد الكشف لذلك هتكاً للمروءة).

قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (ولطبيبٍ نظر ولمس ما تدعو الحاجة إلى نظره ولمسه حتى ذلك فرجها وباطنه؛ لأنه موضع حاجة، وظاهره ولو ذمياً؛ قاله في «المبدع» ومثله «المغني».
وليكن ذلك مع حضور محرم أو زوج؛ لأنه لا يأمن مع الخلوة مواقعة المحظور لقوله ﷺ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» متفق عليه.
ويستر منها ما عدا موضع الحاجة؛ لأنها على الأصل في التحريم).

فقه الآداب:

ينبغي على الطبيب المسلم أن يكون حريصاً ألا يقع نظره على العورات إلا بقدر الحاجة الشرعية التي تناط بقدرها، واتخاذ السبل الممكنة في الستر والورع.

عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «فإذا نهيتكم عن شيء.. فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر.. فأتوا منه ما استطعتم». متفق عليه.

وينبغي على المرأة أن تصون عرضها ولا تكشف شيئاً من جسدها إلا إذا دعت الحاجة لذلك، ولا تذهب إلى طبيب رجل إلا عند تعذر وجود الطبيبة الماهرة، وهذا الحكم ينسحب أيضاً على الرجل.. فلا يجوز له الذهاب إلى طبيبة مع وجود طبيب، وما نجده اليوم من تفريط في هذا.. يدل على تهاون في الدِّين وقلة ورع وابتعاد عن العلم.

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

شارك هذه الفتوى

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.