حكم وضع القدمين في السجود

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

ذهب السادة المالكية أن وضع أطراف القدمين في السجود على الأرض من السنة.

قال العلامة الدردير رحمه الله تعالى: (وسن السجود على أطراف قدميه بأن يجعل صدرهما على الأرض رافعا عقبيه وعلى ركبتيه كيديه؛ أي: كفيه على الأصح، فإن سجد وظهور القدمين على الأرض أو جنبهما أو رافعاً ركبتيه عنها أو واضعاً كفيه على ركبتيه مثلاً.. لم تبطل).

وتكلموا فيمن تكرر منه ترك السجود على القدمين أو على الركبتين أو ترك من سنن الصلاة عمداً؛ هل تبطل صلاته أو يستغفر الله ولا شيء عليه؟

واختلف السادة الحنفية في افتراض وضع بعض القدم.

قال الإمام ابن الهمام رحمه الله تعالى: (وأما افتراض وضع القدم.. فلأن السجود مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال، ويكفيه وضع أصبع واحدة، وفي «الوجيز»: وضع القدمين فرض، فإن وضع إحداهما دون الأخرى جاز ويكره).

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: (والحاصل: أن المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضية والأرجح من حيث الدليل والقواعد عدم الفرضية).

وذهب السادة الشافعية إلى وجوب السجود على الجبهة واليدين والركبتين والقدمين.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (الأظهر وجوبه).

قال الخطيب الشربيني رحمه الله تعالى: (ويكفي وضع جزء من كل واحد من هذه الأعضاء كالجبهة، والعبرة في اليدين ببطن الكف، سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطن الأصابع، فلا يجزئ الظهر منها ولا الحرف، ولا يجب كشفها).

وذهب السادة الحنابلة إلى أن وضع بعض كل عضو من الأعضاء الستة المذكورة يجزئ سواء كان ظاهره أو باطنه، لأن الأحاديث لم تفرق بين باطن العضو وظاهره.

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: (والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب إلا الأنف، فإن فيه خلافاً.. وبهذا قال طاوس والشافعي في أحد قوليه وإسحاق).

قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (والسجود بالمصلي على هذه الأعضاء السبعة: الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين مع الأنف: ركن مع القدرة.
ويجزئ في السجود بعض كل عضو منها؛ أي: من الأعضاء المذكورة إذا سجد عليه؛ لأنه لم يقيد في الحديث.
ويجزئه ولو على ظهر كف وظهر قدم ونحوهما كما لو سجد على أطراف أصابع يديه أو قدميه؛ لظاهر الخبر، لأنه قد سجد على قدميه أو يديه.
ولا يجزئه السجود إن كان بعضها؛ أي: بعض أعضاء السجود فوق بعض كوضع يديه تحت ركبتيه أو جبهته على يديه؛ لأنه يفضي إلى تداخل أعضاء السجود).

ودليل عدم الوجوب:

  • قول الله سبحانه وتعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩].
  • وحديث سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما حيث أجاب فيه النبي ﷺ الرجل الثقفي فقال: «إذا سجدت فمكِّن جبهتك» رواه ابن حبان في «صحيحه» (١٨٨٧)، فإفرادها بالذكر دليل على مخالفتها لغيرها.
  • ولأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها، والإيماء بها لا يجب فلا يجب وضعها.
  • ولأن المقصود منه وضع أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، وهو خصيص بالجبهة.
  • والقول بسنيته بناء على أن لفظ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم…» مستعمل فيما هو أعم من الندب والوجوب، وهو معنى طلب مني ذلك ثم هو في الجبهة وجوب وفي غيرها معها ندب، أو في الندب بخصوصه.
  • وأيضاً في آخر الحديث: «ولا أكف الشعر والثياب» يدل على أن الأمر ليس للوجوب بدليل أنه لو ضم ثيابه أو شعره لا تبطل صلاته، فكذلك لو ترك السجود على اليدين.
  •  ولا يقال: من جملة السبعة الجبهة لو ترك السجود عليها تبطل صلاته؛ لأنا نقول: وجوب السجود على الجبهة بدليل آخر، وهو قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧]، وحقيقة السجود وضع الجبهة على الأرض.
  • وقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧].
  • وعند السادة الحنفية أن الأمر تعلق بالسجود مطلقاً من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه؛ فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد.

ودليل الوجوب:

  • عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفِت الثياب والشعر». متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠).
  • وعن سيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سجد العبد.. سجد معه سبعة آرابٍ: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه». رواه مسلم (٤٩١)، و(الآراب): جمع إرب بكسر الهمزة وسكون الراء، وهو العضو.
  • مواظبة رسول الله ﷺ على هذه الهيئة من السجود.

فقه الآداب:

ينبغي التنبه إلى أن كلام الفقهاء لبيان الأحكام الشرعية من حيث الدليل وترتب الصحة على ذلك، لكن الأدب مطلوب بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ كما قال الإمام ابن الهمام رحمه الله تعالى: (السجود مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه).

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

شارك هذه الفتوى

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.