حكم صيام عاشوراء وفضائله

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يوم عاشوراء ورد في فضله أحاديث وآثار كثيرة، وقد كان رسول الله ﷺ يعظِّمه، وأظهر الله عزوجل سيِّدنا موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون، وقيل هو يوم الزينة الذي كان الموعد مع سحرة فرعون، وفلق البحر لبني إسرائيل، وتاب فيه سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام، وولد فيه سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وقد جاء من أحوال الطير والوحش الإمساك يوم عاشوراء عن الطعام والشراب، وغير ذلك مما يذكره أصحاب السير والمفسرون.

وكذلك ورد عن رسول الله ﷺ في هذا اليوم سُننٌ وآدابٌ، منها:

صيام عاشوراء وتاسوعاء والحادي عشر:

* قال الإمام العزالي رحمه الله تعالى: (استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام، بعضها يوجد في كلِّ سنة، وبعضها يوجد في كلِّ شهر، وبعضها في كلِّ أسبوع).

وقد استحبَّ العلماءُ صيام يوم عاشوراء وتاسوعاء، فإن لم يصم معه تاسوعاء.. صام الحادي عشر، وذهب بعض العلماء -ومنهم الإمام الشافعي رضي الله عنه- إلى استحباب صيام الأيام الثلاثة.

* قال الخطيب الشربيني رحمه الله تعالى: (وصوم عاشوراء؛ وهو عاشر المحرم.. وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب.
وصوم تاسوعاء؛ وهو تاسع المحرم، وحكمة صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء الاحتياط له لاحتمال الغلط في أول الشهر، ولمخالفة اليهود فإنهم يصومون العاشر، والاحتراز من إفراده بالصوم كما في يوم الجمعة، فإن لم يصم معه تاسوعاء سُنَّ أن يصوم معه الحادي عشر، بل نصَّ الشافعيُّ في «الأم» و«الإملاء» على استحباب صوم الثلاثة).
* قال العلامة الدردير رحمه الله تعالى: (وندب صوم عاشوراء وتاسوعاء، وقدم عاشوراء؛ لأنه أفضل من تاسوعاء؛ لأنه يكفر سنة وندب فيه توسعة على الأهل والأقارب واليتامى بالمعروف).

* قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (التطوع المطلق أفضله المحرم كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وأفضله؛ أي: المحرم.. يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم في قول أكثر العلماء، ثم تاسوعاء؛ وهو اليوم التاسع من المحرم، ويسن الجمع بينهما؛ أي: بين صوم تاسوعاء وعاشوراء).

– وذهب السادة الحنفية إلى كراهة إفراد يوم عاشوراء بصوم دون التاسع أو الحادي عشر كراهة تنزيهية؛ لأنه تشبه باليهود.
* قال الإمام الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى: (والمسنون عاشوراء مع التاسع.. والمكروه تنزيهاً: عاشوراء مفرداً عن التاسع).
* وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: (قوله: «تنزيهاً كعاشوراء وحده»؛ أي: مفرداً عن التاسع أو عن الحادي عشر؛ لأنه تشبه باليهود).

* قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب:
أدناها: أن يصام وحده.
وفوقه: أن يصام التاسع معه.
وفوقه: أن يصام التاسع والحادي عشر، والله أعلم).

* ومما ورد فيه:

عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال النبي ﷺ:

«نحن أولى بموسى منكم»؛ فأمر بصومه.

[رواه البخاري (2004)، مسلم (1130)]

قال الإمام النووي رضي الله عنه: (مختصرُ ذلك أنه ﷺ كان يصومه كما تصومه قريش في مكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فصامه أيضاً بوحي أو تواترٍ أو اجتهادٍ، لا بمجرد أخبار آحادهم).

[«شرح صحيح مسلم» (8/11)]

عن سيِّدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله؛ إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى فقال رسول الله ﷺ:

«فإذا كان العامُ المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»

قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله ﷺ.

وفي رواية: قال رسول الله ﷺ:

«لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع»

[رواه مسلم (1134)]

عن سيِّدنا أبي موسى رضي الله عنه قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً، قال النبيُّ ﷺ: «فصوموه أنتم».

[رواه البخاري (2005)، مسلم (1131)]

عن سيِّدنا أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال:

«صيامُ يوم عاشوراء؛ إنِّي أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبلَه»

قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: وفي الباب عن علي، ومحمد بن صيفي، وسلمة بن الأكوع، وهند بن أسماء، وابن عباس، والربيع بنت معوذ ابن عفراء، وعبد الرحمن بن سلمة الخزاعي، عن عمه، وعبد الله بن الزبير؛ ذكروا عن رسول الله ﷺ أنه حثَّ على صيام يوم عاشوراء.

[رواه مسلم (1162)، الترمذي (752)]

التوسعة على العيال:

* قال العلامة الحصكفي رحمه الله تعالى: (وحديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء صحيح، وحديث الاكتحال فيه ضعيفة لا موضوعة كما زعمه ابن عبد العزيز).
* قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: (وأما حديث التوسعة؛ فرواه الثقات، وقد أفرده ابن القرافي في جزء خرجه فيه).
* قال العلامة الدردير رحمه الله تعالى: (وندب فيه توسعة على الأهل والأقارب واليتامى بالمعروف).
* قال العلامة سليمان الجمل رحمه الله تعالى: (ويستحب فيه التوسعة على العيال والأقارب، والتصدق على الفقراء والمساكين من غير تكلُّفٍ، فإن لم يجد شيئاً.. فليوسع خُلُقَه ويكف عن ظلمه).
* قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (وينبغي فيه التوسعة على العيال، سأل ابنُ منصور أحمد عنه فقال: نعم؛ رواه سفيان بن عيينة عن جعفر عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر وكان أفضل أهل زمانه أنه بلغه).

– روى الطبراني في «المعجم الكبير»، عن سيِّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«من وسَّع على أهله يوم عاشوراء.. وسَّع اللهُ عليه سَنتَه كلَّها»

وأخرجه عن سيِّدنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ولفظه:

«من وسَّع على عياله يوم عاشوراء.. لم يزل في سعة سائر سَنته»

وأخرجه الإمام البيهقي في «فضل الشهور والأيام» من حديث سيِّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه:

«من وسَّع على عياله وأهله يوم عاشوراء.. وسَّع اللهُ عليه سائر سَنته»

* قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى بعد أن رواه من طرق، وعن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم:
(هذه الأسانيد -وإن كانت ضعيفة- فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدث قوة)
* قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في «أماليه» لحديث سيِّدنا أبي هريرة رضي الله عنه:
(صحح بعض طرقه ابن ناصر؛ قال: وله طرق عن جابر رضي الله تعالى عنه على شرط مسلم، أخرج بعضها ابنُ عبد البر في «الاستذكار».
وروى هو والدارقطنيُّ بسند جيد، عن عمر رضي الله تعالى عنه موقوفاً، والبيهقي في «الشعب» عن محمد بن المنتشر قال: كان يقال … فذكره).
–         وقد جمع الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في جزءٍ له طرق الحديث فبلغت ستة عشر طريقاً.
–         وصححه الغماري رحمه الله تعالى في «هِدَيَة الصغراء بتصحيح حديث توسعة يوم عاشوراء»، والأمير الصغير رحمه الله تعالى في جزء له.

قال سيِّدنا جابر رضي الله عنه: جرَّبته أربعين عاماً.. فلم يتخلَّف.
وقال سفيان بنُ عُيينة رحمه الله تعالى: قد جرَّبناه منذ خمسين سنةً أو ستِّينَ.. فما رأينا إلا خيراً.
وقال يحيى بن سعيد رحمه الله تعالى: جربنا ذلك.. فوجدناه حقاً.

– وجاء عن خالد بن معدان رحمه الله تعالى قال:
(خمس ليال في السَّنة من واظب عليهن رجاء ثوابهن وتصديقاً بوعدهن.. أدخله اللهُ الجنة:
أول ليلة من رجب يقوم ليلها ويصوم نهارها، وليلة الفطر يقوم ليلها ويفطر نهارها، وليلة الأضحى يقوم ليلها ويفطر نهارها، وليلة عاشوراء يقوم ليلها ويصوم نهارها).
– وأما اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً لسيِّدنا الحسين رضي الله عنه؛ فإنه دأب أهل البدع؛ فيجب الحذر من التشبه بهم فيها.

– واستحبَّ بعضُ العلماء أدعيةً في يوم عاشوراء، منها:

بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش، والحمد لله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش، لا إله إلا الله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش، الله أكبر ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش، لا حول ولا قوة إلا بالله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش، لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، سبحان الله عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات، الحمد لله عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات، لا إله إلا الله عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات، الله أكبر عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات، لا حول ولا قوة إلا بالله عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات، حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

فقه الآداب:

– ينبغي للمسلم أن لا يفوِّت فرصة سنحت له في اتباع سُنة رسول الله ﷺ في جميع أحواله وأفعاله؛ كيوم عاشوراء وما ورد فيه، ولا يقول: هذا ليس واجباً فلا أفعله، فإن ذلك يغلق عليه باباً عظيماً من الخيرات.
– وقد ورد: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً». رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير»
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (إن الله سبحانه إذا أحبَّ عبداً.. استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال، وإذا مقته.. استعمله في الأوقات الفاضلة بسيِّء الأعمال؛ ليكون ذلك أوجع في عقابه وأشد لمقته، لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت).

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

شارك هذه الفتوى

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.