إنَّ حقاً على العاقل أن يفرح بيوم ميلاده ﷺ، وأن يُسرَّ ويبتهج بذلك اليوم الذي تدفَّق فيه النُّور والهدى والعلم إلى هذا العالم أجمع؛ لأنه ولد فيه رسولُ الرحمة للعالمين، ونبيُّ الهدى والنور للخلق أجمعين، وإمامُ الأنبياء والمرسلين، فأعظِم بذلك اليوم وأكرِم، وأسعِد به وأنعِم.
وإنَّ الاجتماع على قراءة قصة مولده ﷺ هو اجتماع على مجموعة رحَمات وبركات، وخيرات ومبرَّات، وذلك لأن قصة المولد الشريف مشتملة على:
- تلاوة آيات من القرآن الكريم.
- ثم ذكرِ إكرامِ الله تعالى وعنايته برسوله ﷺ.
- وكيف تولاه الله وحفظه.
- كما أنها تشتمل على ذكر محاسن سيدنا محمد ﷺ الخَلقية والخُلقية.
- كما أنها تشتمل على الصلوات والتسليمات على النبي ﷺ.
- كما وأنها تشمل على القصائد والمدائح النبوية المحببة إلى سيدنا رسول الله ﷺ.
- كما وأنها تشتمل على الدعوات والابتهالات إلى الله تعالى.
وإنَّ كلَّ واحدةٍ من هذه المشتمَلات هي مشروعة مطلوبة، وقُربة محبوبة، حثَّ الشارع عليها ورغَّب في أجرها وفضلها، وعلى هذا جرى العلماء العاملون، والأتقياء الصالحون.
كما قال الحافظ السَّخاويُّ: (ولا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ﷺ بعمل الولائم البديعة المشتمِلة على الأمور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور، ويزيدون في المبرَّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم). اهـ من السيرة النبوية للإمام محمد بن يوسف الشامي.
وقال أيضاً – أي: الشامي صاحب السيرة-: وقال الإمام الحافظ أبو الخير بن الجزري شيخ القراء رحمه الله: (من خواصه[1] أنه أمان في ذلك العام، وبُشرى عاجلة بنيل البغية والمرام).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في «تاريخه»: (كان الملك المظفر أبو سعيد يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهماً شجاعاً، بطلاً عاقلاً عادلاً رحمه الله.
وقد صنَّف الشيخ أبو الخطاب بن دحية رحمه الله كتاباً له في المولد سماه: «التنوير في مولد البشير النذير ﷺ» فأجازه بألف دينار).
وحكى سبط ابن الجوزي رحمه الله في «مرآة الزمان» عن بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد بعدما عدد أصنافاً من اللحوم وأنواع الحلوى على شكل واسع جداً قال بعد ذلك: (وكان يصرف على المولد ثلاثمائة ألف دينار) اهـ.
ونقل الإمام محمد بن يوسف الشامي في «سيرته» عن الشيخ أبي عبد الله ابن أبي محمد النعمان يقول: سمعت الشيخ أبا موسى الزرهوني يقول: (رأيت النبيَّ ﷺ في النوم، فذكرت له ما يقال في عمل الولائم في المولد. فقال له ﷺ: «من فرح بنا فرحنا به»). اهـ.
وقال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزري رحمه الله: (قد رُئي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالُك؟
فقال: في النار إلا أنه يخفف عنِّي كلَّ ليلة اثنين، وأمصُّ من بين أصبعي هاتين ماء بقدر هذا – وأشار لرأسي أصبعيه – وإن ذلك بإعتاقي لثُويبة عندما بشرتني بولادة محمد ﷺ، وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه، جُوزي في النار[2] لفرحه ليلة مولد محمد ﷺ به – أي: بالمولد – فما حالُ المسلم الموحد من أمة محمد ﷺ ببشره بمولده، وبذل ما تصل إليه قدرته في محبته؟! لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم). اهـ
وقصة أبي لهب وإعتاقه ثويبة وما يترتب على ذلك رواها البخاري والإسماعيلي وعبد الرزاق.
ففي «صحيح البخاري»: قال عروة: وثُويبة مولاة أبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله[3] بشرِّ حِيبةٍ[4]، قال له: ماذا لقيت؟
قال أبو لهب: ألم ألقَ بعدكم – وفي رواية الإسماعيلي: لم ألق بعدكم- رخاءً، – وعند عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري: لم ألقَ بعدكم راحةً – غير أني سُقيت في هذه – وأشار إلى النُقرة التي تحت إبهامه؛ كما هو عند عبد الرزاق -، وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع في رواية الإسماعيلي-بِعتاقتي ثويبة[5] – أي: سُقيت ذلك بسبب إعتاقي ثويبة-.
وقال الحافظ في «الفتح»: (وذكر السهيليُّ أن العباس رضي الله عنه قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حولٍ، في شرِّ حالٍ، فقال أبو لهب: ما لقيتُ بعدكم راحةً، إلا أن العذاب يخفف عنِّي كلَّ يوم اثنين. قال – أي: العباس -: وذلك أن النبي ﷺ ولد يوم اثنين، وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده ﷺ فأعتقها). اهـ
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
[1] أي: من خواص العناية بقراءة مولده الكريم ﷺ، والاحتفال والابتهاج بشهر مولده ﷺ.
[2] أي: جازاه الله تعالى فخفف عنه العذاب وهو في النار؛ لفرحه بمولد سيدنا محمَّد ﷺ.
[3] وهو العباس رضي الله عنه؛ كما دلت عليه بقية الروايات.
[4] قال الزرقاني: حيبة: بحاء مهملة مكسورة، وتحتية ساكنة، وموحدة مفتوحة – أي: سوء الحال، وأصلها: حوبة. قال: وذكر البغوي أنها بفتح الحاء، وللمستملي بخاء معجمة مفتوحة، أي: في حالة خائبة، وقال ابن الجوزي: إنه تصحيف، وروي بالجيم، قال السيوطي: وهو تصحيف باتفاق. اهـ
[5] انظر جميع ذلك في «صحيح البخاري» وشرحه لابن حجر.


