الصرف في الذمة (تحويل الديون إلى عملات مختلفة)

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إن تبدل العملات وتحول الديون من عملة إلى أخرى لأسباب اقتصادية من القضايا المعاصرة في العملة والديون والصرف، لكن هي مسألة مخرجة على أصول وفروع تناولها الفقهاء في كتبهم، وتسمى صرف على ما في الذمة، وهي معاملات يكثر فيها الخطأ والوقوع في الربا.

فإذا أراد المدين أو الدائن استبدال الدين الذي بينهما بعملة أخرى.. فهو جائز عند الجمهور من السادة الحنفية والسادة الشافعية في الجديد والسادة الحنابلة، وهو استبدال دين بعين، والقاعدة: (الذمم تقوم مقام الأعيان)، لكن لابد من شروط ضابطة لهذه المعاملة في الفقه الإسلامي، وهي:

  1. يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد ـ لا قبله ـ على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد.
  2. وكذلك يجوز في الدين على أقساط بعملة معينة.. الاتفاق يوم السداد؛ أي على قسط معين أدائه كاملاً بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم.
  3. يشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة.
  4. يجوز أن يتفق المتعاقدان عند العقد على تعيين الثمن الآجل أو الأجرة المؤجلة بعملة تدفع مرة واحدة أو على أقساط محددة من عملات متعددة أو بكمية من الذهب وأن يتم السداد حسب الاتفاق.
  5. الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها، وهو ما يسمى اليوم بين التجار (تثبيت الدين بعملة أخرى أو على الذهب دون قبض).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (والجديد جواز الاستبدال عن الثمن، فإن استبدل موافقاً في علة الربا كدراهم عن دنانير اشترط قبض البدل في المجلس).

قال الإمام شمس الدين الرملي رحمه الله تعالى: (فإن استبدل موافقاً في جنس الربا كذهب عن ذهب اشترطت الشروط المتقدمة  – الحلول والمماثلة والتقابض – أو علة الربا كدراهم عن دنانير اشترط قبض البدل في المجلس؛ حذراً من الربا).

قال الإمام المرغيناني رحمه الله تعالى: (ومن كان له على آخر عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة ديناراً بعشرة دراهم ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة فهو جائز، ومعنى المسألة: إذا باع بعشرة مطلقة. ووجهه: أنه يجب بهذا العقد ثمن يجب عليه تعيينه بالقبض؛ لما ذكرنا -أي: إشارة إلى قوله: ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق- والدين ليس بهذه الصفة).

قال العلامة البهوتي رحمه الله تعالى: (ولو كان لرجل على رجل دينار فقضاه دراهم متفرقة شيئاً بعد شيء؛ فإن كان يعطيه كل نقدة من درهم فأكثر بحسابه من الدينار بأن يقول: هذا الدرهم عن عشر دينار مثلاً، وهذان الدرهمان عن خمسه.. صح القضاء؛ لأنه بيع دين بعين، فإن لم يفعل ذلك بأن أعطاه وسكت ثم تحاسبا بعد إعطاء الدراهم فصارفه بها وقت المحاسبة.. لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين وهو غير جائز.

وإن صارفه عما استقر له في ذمته -ولو كان ما له في ذمته مؤجلاً- بعين مقبوضة بالمجلس.. صح الصرف).

والدليل: حديث سيِّدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله؛ رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ». أخرجه أبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٤٥٨٢)، وابن ماجه (٢٢٦٢).

قال الإمام ابن رسلان رحمه الله تعالى: (ولو حصل التقابض في المجلس.. لم يبق بينهما شيء، وإن لم يتفرقا.. فلا يحتاج إلى تقييده بالشرط، وهذه المسألة هي مسألة ما إذا صالح من دين على عين وكانا من أموال الربا؛ فإنه يشترط في المجلس جزماً).

فقه الآداب:

بعد بيان هذا المسألة يظهر لنا قدر المخالفات الشرعية التي تقع في الأسواق في هذه المعاملة وغيرها مما يوقع في أوحال الربا والبيوع والمعاملات المنهي عنها، ولا عذر بالجهل بها وأهل العلم متوافرون، فينبغي على التاجر وغيره تعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها، ومنها أحكام البيوع صحةً وفساداً وبطلاناً حلاً وحرمةً ورباً وغيرها، ولا يهمل هذا فإن ذلك يدل على قلة اهتمامه بالدِّين وعاقبته في الآخرة.

وحكى الإمام الشافعي والإمام الغزالي رحمهما الله تعالى الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.

قال الإمام القرافي رحمه الله تعالى: (فمن باع.. وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر.. وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة، ومن قارض.. وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض، ومن صلى.. وجب عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة).

قد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب بالدرة من يقعد في السوق وهو لا يعرف الأحكام، ويقول: (لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا).

وقد أمر الإمام مالك رحمه الله تعالى بقيام من لا يعرف الأحكام من السوق؛ لئلا يطعم الناس الربا.

وقد كان المحتسب يمشي في الأسواق ويقف على الدكان ويسأل صاحبه على الأحكام التي تلزمه في سلعته؛ من أين يدخل عليه الربا فيها؟ وكيف يحترز منها؟ فإن أجابه.. أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئاً من ذلك.. أقامه من الدكان ويقول: (لا يمكنك أن تقعد في سوق المسلمين تطعم الناس الربا وما لا يجوز).

وقال بعض العلماء: لا يحل لأحد أن يشتغل بالتجارة ما لم يحفظ كتاب البيوع، وكان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيهاً يرجعون إليه في أمورهم، ولا بد للتاجر من فقيه صديق.

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

شارك هذه الفتوى

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.