حكم سفر المرأة إلى الحج أو العمرة دون محرم

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

أولاً: لابد من التنبه أن العمرة واجبة كالحج، وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ومنهم: السادة الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية.

وممن قال ذلك من الصحابة السادة: عمر وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم، وبه قال طاووس وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري وابن سيرين والشعبي ومسروق وأبو بردة بن أبي موسى وعبد الله بن شداد والثوري وإسحاق وأبو عبيد رحمهم الله تعالى.

ودليلهم: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، والمراد بإتمام الحج والعمرة لله تعالى: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: ائتوا بالصيام.

ولهم أدلة أخرى يضيق المحل عن التوسع بها.

ثانياً: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ وجود المحرم أو الزوج شرط لوجوب الحجّ على المرأة، فمن لم يتوفَّر لها هذا الشرط.. فلا يجب عليها الحجّ ابتداءً.

ودليلهم: قول النبي ﷺ: «لاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١).

وأما عند السادة الشافعية؛ فيجب الحجُّ على المرأة عند وجود زوج أو محرم، أو نسوة ثقات.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: لا يلزم المرأة الحج إلا إذا أمنت على نفسها بزوج أو محرم نسب أو غير نسب أو نسوة ثقات؛ فأي هذه الثلاثة وجد.. لزمها الحج بلا خلاف، وإن لم يكن شيء من الثلاثة.. لم يلزمها الحج على المذهب سواء وجدت امرأة واحدة أم لا).

وقال الإمام الشربيني رحمه الله تعالى: (ويشترط في وجوب نسك المرأة ـ زائداً على ما تقدم في الرجل ـ أن يخرج معها زوج أو محرم لها بنسب أو غيره أو نسوة ثقات).

فلا يجب على المرأة أن تخرج وحدها للحجِّ، لكن إن فعلت ذلك وكانت تأمن على نفسها.. جاز لها.

فهما مسألتان: إحداهما: شرط وجوب حجة الإسلام، وكذا العمرة، والثانية: شرط جواز الخروج لأدائها وقد اشتبهتا على كثير من الناس.

قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: (أما الجواز؛ فلها أن تخرج لأداء فرض الإسلام مع امرأة ثقة…، ولها أيضاً أن تخرج له وحدها إذا تيقنت الأمن على نفسها هذا كلُّه في الفرض).

ودليل السادة الشافعية: عموم قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وحملوا حديث: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» على السفر غير الواجب، وللاحتياط في شأن العبادة المفروضة.

قال الإمام الرملي رحمه الله تعالى: (وفارق الواجبُ غيره بأنَّ مصلحة تحصيله اقتضت الاكتفاءَ بأدنى مراتب مظنة الأمن، بخلاف ما ليس بواجب فاحتيط معه في تحصيل الأمن).

وعن سيدنا عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال ﷺ: «يا عدي؛ هل رأيت الحيرة؟»، قلت: (لم أرها، وقد أنبئت عنها)، قال ﷺ: «فإن طالت بك حياةٌ.. لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله..».

قال سيدنا عدي رضي الله عنه: (فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله)، أخرجه البخاري (٣٥٩٥).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (إخبار عما سيقع وذلك محمول على الجواز؛ لأن الحج يجب بذلك)، وقال: (وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة).

فقه الآداب:

لقد اعتنى الإسلام بالمرأة والحفاظ عليها وصيانتها من أن تكون لقمة سائغة أو سلعة سهلة لكل متطاول أو فاسق ولو على سبيل الاحتياط، ولذلك شرع ضوابط تحميها من ضعاف النفوس والذين في قلوبهم مرض، فجعل من أحكام الشريعة أن يكون لها الحارس من أهلها الرجال ـ الزوج أو المحرم ـ أو نسوة ثقات تستقوي بهن.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقَّطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وخيانته ونحو ذلك).

وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (والمرأة فتنة ممنوع الانفراد بها لما جبلت عليه نفوس البشر من الشهوة فيهن، وسلط عليهم من الشيطان بواسطتهن، ولأنهن لحم على وضم إلا ما ذب عنه، وعورة مضطرة إلى صيانة وحفظ وذي غيرة يحميها ويصونها، وطبع الله في ذوي المحارم من الغيرة على محارمهن والذب عنهن ما يؤمن عليهن في السفر معهم ما يخشى).

ونقل الإمام المناوي رحمه الله تعالى عن بعض العلماء: (النساء لحم على وضم كلُّ أحد يشتهيهن، وهن لا مدفع عندهن بل الاسترسال فيهن أقرب من الاعتصام، فحصَّن الله عليهن بالحجاب وقطع الكلام وحرم السلام وباعد الأشباح إلا مع من يستبيحها وهو الزوج أو يمنع منها وهو أولو المحارم، ولما لم يكن بدٌّ من تصرفهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقرُّ الخلوة ومعدن الوحد ).

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

شارك هذه الفتوى

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.