أثر الجهل في وقوع الطلاق والأحكام الشرعية

خلاصة الفتوى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إنَّ مما قرر العلماء من القواعد المستمدة من نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة: (الجهل بالحكم في دار الإسلام لا يكون عذراً)، و(كلُّ جهلٍ يمكن المكلَّف دفعه لا يكون حجةً للجاهل).

ومن الأدلة على ذلك:

ـ عموم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فنهى الله تبارك وتعالى عن اتباع غير المعلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم، فمن أقدم على فعل شيء جاهلاً بحكمه.. كان مؤاخذاً بفعله ولا يعذر.

ـ عن سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا.. فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة.. فتلك شاة لحم»، فقام أبو بردة بن نيار فقال: (يا رسول الله؛ والله؛ لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني)، فقال رسول الله ﷺ: «تلك شاة لحم». أخرجه البخاري (٩٨٣)، ومسلم (١٩٦١).

قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: (وفيه دليل أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر.. لم يعذر فيها بالجهل).

وعلى ذلك فقد اتفق الفقهاء على أنه لا عذر في الجهل بالحكم ما أمكن التعلم، وأن كلَّ جهلٍ يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: (لو عُذِرَ الجاهل لأجل جهله.. لكان الجهل خيراً من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ والتمكين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرُسل).

ومن أجل ذلك قرر الفقهاء هذه القواعد؛ لتمكن المكلف من تحصيل العلم فيها.

ومن الأحكام التي لا يعذر فيها الجاهل: التلفظ بألفاظ الطلاق مع قصد الطلاق، فمن تلفظ بلفظٍ من ألفاظ الطلاق الصريحة أو الكناية مع نية الطلاق.. فإن الطلاق يقع، فإذا تكرر الطلاق ثلاثاً.. فلا رجعة له، ولا يعذر بجهله إذا قال مثلاً: لا أعلم أن الطلاق ثلاثاً فقط أو أن الطلاق لا يقع، لأن هذا مما يجب على المكلف تعلمه خاصةً إذا أراد النكاح، فإن هذا مما يحتاجه في أي وقت، ومن صريح كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩].

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: (الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يُسقط أحكامها).

قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: (قال غير واحد: نصَّ الأئمة أنه لا أثر للجهل بالحكم).

وقد شرط العلماء لوقوع الطلاق التكليف فقط ولو كان هازلاً، فلا يعذر بجهله ذلك.

قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: (أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أن جِدَّ الطلاق وهزله سواءٌ).

عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جدٌّ: النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ». أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩).

ويجري هذا في ألفاظ الكفر أيضاً والتي يحصل فيها الفرقة بين الزوجين أيضاً باتفاق الفقهاء.

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: (وأما الجاهل إذا تكلم بكلمة الكفر ولم يدرِ أنها كفرٌ.. قال بعضهم: لا يكون كفراً ويعذر بالجهل، وقال بعضهم: يصير كافراً بذلك.
ومن أتى بلفظة الكفر وهو لم يعلم أنها كفرٌ إلا أنه أتى بها عن اختيار يكفر عند عامة العلماء خلافاً للبعض ولا يعذر بالجهل.
أما إذا أراد أن يتكلم فجرى على لسانه كلمة الكفر ـ والعياذ بالله تعالى ـ من غير قصد.. لا يكفر).

ويستثنى من ذلك الجهل بمعنى اللفظ؛ كأن نطق بلفظ الطلاق بغير لغة أو بعرف غير بلده دون معرفة معناه، لذلك جاءت القاعدة: (الجهل بمعنى اللفظ مسقط لحكمه).

وكذلك يلحق بهذا الاستثناء جهل المتكلم بمعنى اللفظ الذي يتكلم به لدقته في نفسه أو بالنسبة للمتكلم؛ كالألفاظ التي يستعملها المتخصِّصون في تخصصاتهم ولا يكاد يعرفها غيرهم كاستخدام النحاة مثلاً (نعم) في الإجابة بالنفي في بعض المواضع، أو ما يختص به أهل الحساب في بعض الألفاظ.

قال الخطيب الشربيني رحمه الله تعالى: (ولو قال: «أنت طالق طلقة في طلقتين» وقصد بـ«في طلقتين» معية.. فثلاث؛ لما مرَّ في قوله: «طلقة في طلقة»، أو ظرفاً.. فواحدة؛ لأن مقتضاه وقوع المظروف دون الظرف، ومسألة قصد الظرف مزيدة على «الروضة» والشرحين مع ذكر «الوجيز» لها.
أو قصد حساباً وعرفه.. فثنتان؛ لأنهما موجبه عند أهل الحساب، وإن جهله؛ أي: الحساب وقصد معناه عند أهله.. فطلقة تقع في الأصح؛ لأن ما لا يُعلم لا تصح إرادته، وقيل: الواقع ثنتان؛ لأنه موجبه عند أهل الحساب كما مرَّ وقد قصده، وأجاب الأول بما مر.
وإن أطلق بأن لم ينو شيئاً.. فطلقة في الأظهر، سواء أعلم الحساب أم جهله؛ لأنه يحتمل الحساب والظرف، فلا يزاد على المتيقن وهو طلقة، وما زاد مشكوك فيه، وفي قولٍ الواقع ثنتان إن عرف حساباً حملاً عليه).

قال الإمام ابن رشد القرطبي الجد رحمه الله تعالى: (والأصل في هذا أنه ما كان يتعلق به حق لغيره؛ فلا يعذر الجاهل فيه بجهله، وما لا يتعلق به حق لغيره؛ فإن كان مما يسعه ترك تعلمه.. عُذر بجهله، وإن كان مما لا يسعه ترك تعلمه.. لم يعذر فيه بجهله؛ فهذه جملة كافية يرد إليها ما شذَّ عنها، وبالله التوفيق).

وتحت هذه القواعد فروع لا تحصر في كتب الفقهاء.

وعليه فإن وقوع الطلاق لا يتوقف على علم المكلف ولا أثر للجهل بالحكم إلا فيما يعسر معرفته من الفروع الدقيقة التي تختص بأهل العلم.

فقه الآداب:

ينبغي على كل مسلم يحرص على دينه ويراقب الله جل جلاله فيما يصدر عنه أن يتعلم أحكام الشريعة فيما يريد الشروع به من زواج والطلاق وما يتعلق به وما يترتب عليه، وكذا إذا أراد التجارة يتعلم أحكام البيع والشراء والربا والصرف وغير ذلك مما يحتاجه ويعرض له في كل ما يدخل فيه من الأعمال، فإن ترك ذلك يدل على قلة المبالاة والتهاون بالدين.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (من العلوم ما يتعين طلبه وتعلمه، ومنها فرض كفاية.
فمن المتعين: ما يحتاج إليه لإقامة مفروضات الدين، كالوضوء والصلاة والصيام وغيرها، فإن من لا يعلم أركان الصلاة وشروطها لا يمكنه إقامتها، وإنما يتعين تعلم الأحكام الظاهرة دون الدقائق والمسائل التي لا تعم بها بلوى، وإن كان له مال زكوي، لزمه تعلم ظواهر أحكام الزكاة.
ومن يبيع ويشتري ويتجر.. يتعين عليه معرفة أحكام التجارات، وكذا ما يحتاج إليه صاحب كلِّ حرفة يتعين عليه تعلمه، والمراد الأحكام الظاهرة الغالبة دون الفروع النادرة والمسائل الدقيقة).

وينبغي على المسلم أن يحفظ لسانه عن النطق بألفاظ الطلاق إلا بعد التروي والتفكر في الحاجة إليه وعاقبة ذلك، أما كثرة الحلف بالطلاق وترداده عند كل عارض وخلاف.. فليس هذا من دأب المؤمن الذي يرعى حدود الله تبارك وتعالى.

وقد قال بعض العلماء: (لقد كان الرجل يمر عليه خمسون سنة ولا يجري لفظ الطلاق على لسانه مهما حصل معه؛ لأنهم يعلمون أن ذلك ليس من الرجولة والمروءة).

وقد ورد: «ما حلَفَ بالطَّلاقِ مؤمنٌ، ولا استحلَفَ به إلا منافقٌ». رواه الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٧/٣٩٣).

قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله تعالى: (ويؤدب من حلف بطلاق…).

وذكر ابن القاسم أن التأديب أشد لمن لا امرأة له لإضافته إلى النهي الكذب.

والله تعالى أعلم

المصادر والمراجع

Picture of دار الإفتاء الشامية
دار الإفتاء الشامية

تمت مراجعة هذه الفتوى واعتمادها بالإجماع من قبل مجلس دار الإفتاء الشامية.

شارك هذه الفتوى

آخر الفتاوى

اطرح سؤالك

هل لديك سؤال حول الصلاة، أو المعاملات المالية، أو الأسرة، أو الحياة المعاصرة كمسلم في العالم العربي؟ أرسل سؤالك إلى مجلسنا المكون من نخبة من العلماء المؤهلين.